الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء الاول من كتاب الضحك المسيل للدموع - للواء محي الدين محمد محمد علي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالغفار محمد صالح عكاشة
مشرف عام
مشرف عام
avatar

المساهمات : 51
تاريخ التسجيل : 17/08/2010
العمر : 64

مُساهمةموضوع: الجزء الاول من كتاب الضحك المسيل للدموع - للواء محي الدين محمد محمد علي   الخميس ديسمبر 30, 2010 4:02 am

بفضل الله تعالي تكرم علينا اللواء محي الدين محمد محمد علي بنسخة من كتابه الضحك المسيل للدموع ليتم نشرها علي موقع منتديات رابطة تنمية مدينة أرقو بولاية الخرطوم واليكم الجزء الأول منه:





الضحك السكوتي

محي الدين محمد علي

مجموعة مقالات ... ساخرة نشرت للمؤلف
خلال الأعوام 1985 – 2005م

الطبعة الأولى
2005م

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف





إهــــــــــــــــــداء ..

أهدي هذا الكتاب إلي ...
أرواح عزيزة ... صعدت إلى بارئها ...
وظل رسمها محفوراً في أعماقنا ...
الوالد العزيز ... محمد محمد علي
الوالدة العزيزة ... عيشة عبد الجليل
الشهيد أبن الخال ... مولانا عبد الفتاح
محمد عبد الجليل
الشهيد الابن ... المقدم ... تاج السر أحمد
محمد علي ثم إلى أرواح كل الشهداء
الذين خضبوا ثرى هذه الأرض
دفاعاً عن أرضها وعرضها ... وصوناً
لكرامتها ... وحريتها ... ووحدتها ...
عليهم جميعاً ...
رحمة الله تعالى ...

المؤلف






أيها القارئ الكريم ...
وجدت نفسي هكذا .. بعد أن أصدرت كتاب ( الضحك في بيت البكاء ) ... أواصل مشوار الضحك وأصدر كتاب (الضحك المسيل للدموع) ... ثم هذا الكتاب (الضحك السكوتي) وربما ضحكات أخرى علي الطريق ... ومادة هذه الكتب جميعاً هي مقالات نشرت لي في مختلف الصحف (كاستراحات) ... بمسميات مختلفة كان أبرزها (عابر سبيل) ... ونشر معظمها تحت عمود أسبوعي اسمه (عواسة) وقد توقف الآن وتحت عمود أسبوعي آخر اسمه (كلام ساكت) وهو الأشهر الذي عرفت به ولا زلت أواظب على كتابته ... إن صحفية الأسبوع اليومية هي التي فتحت لي باب الكتابة اليومية قبل عشرين عاماً ... ثم تنقلت بعد ذلك ... وكتبت على صفحات (الإنقاذ) ... والسودان الحديث ... والنصر ... والحرية ... وأخبار اليوم ... والحياة ... والصحافة ... وصحف أخرى ... ومجلات عديدة كمجلة البرلمان ... و الشرطة ... والقصر .
إن تحت يدي الآن مئات المقالات وقد بذلت أقصى الجهد ... عند إصدار أي كتاب من الكتب التي ذكرت ... أن أنتقي المقالات ذات المواضيع الاجتماعية أو السياسية والتي تستمر ويمكن قراءتها بعد قرون واستيعابها وكأنها كتبت في ذلك الزمان ...
كما حرصت أشد الحرص أن تكون مقالات كل كتاب متناغمة ... غير متنافرة تعبر عن حالات عديدة متماسكة وكأنها حالة واحدة ...
أكتب هذه المقدمة وفي خاطري أن أتحدث عن حالتين أحسست بهما في حديث البعض ... الذين لا يقرأون أو يقرأون العناوين فقط ويحسبون إن
( كلام ساكت) تعني كلام ساكت أو (كلام ساي) أو (كلام فارغ) ... لا قيمة له ... ولو كان الأمر كذلك لما اخترت هذا العنوان الحبيب إلى نفسي وهو الذي يجمع بين الكلام والسكوت ... وهو ينطبق على أسلوبي في الكتابة بالضبط ... وقد علق أحد الكتاب المصريين وأحسب أنه أحمد بهاء الدين وقال : ( إن لفظة (كلام ساكت) هي بلا شك إبداع سوداني جمع بين النقيضين) أما الضحك ... الذي يرد في أثناء كتبي فهو ليس بالقطع ضحك ود نفاش ...ونوادر جحا ... لأن أصله السخرية من عيوبنا ومشاكلنا بطريقة قد تفضي الى الضحك ... ثم الانخراط في البكاء وشر البلية ما يضحك !!
أرجو أن يجد القراء الكرام متعة في قراءة هذه الكتب ... فإن وجدوا إنها كتب متطابقة فيمكنهم الاحتفاظ بواحد منها وتمزيق الآخرين ... أما إذا وجدوا أنها تختلف فهذا هو المطلوب ... لأن لكل زمان مقال وللكاتب ... في كل لحظة من لحظات عمره ( نفس جديد) يعلو ويهبط ...
مع خالص حبي للقراء جميعاً

المؤلف
9/1/2005م

بخــور البــاطن
أنا (شحفي) .. نص شرطي .. ونص صحفي .. ومع ذلك فقد احتفى بي كل رؤساء تحرير الصحف التي تعاونت معها .. ولم يخفوا إعجابهم بما أكتب .. وليس في الأمر عجب لأنهم من الأصدقاء ومن أبناء جيلي وفي مثل سني .. أو أكبر أو أصغر حبتين .. ولأني لا أنافسهم .. لأنهم يطبخون وأنا أعوس .. ولا يلتقي الطبيخ والكسرة إلا في صحن الجريدة !! أما أن يحتفي بي رجل في قامة العالم العلم .. المدرسة الإعلامية القائمة بذاتها الخبير والأستاذ .. علي محمد شمو .. ففي الأمر عجب !!
وأما .. أن يتهلل في وجهي أستاذ الأساتيذ محمود أبو العزائم .. ويشد علي يدي فإن في الأمر عجبين !! وأن يتواضع الأستاذ محمد سعيد معروف العلامة البارز في تاريخ الصحافة السودانية ويكتب عن شخصي مقالاً صحفياً .. فإن في الأمر عجائب !!
وأن يقول عني (فخامة) الصحفي المعتق محمود إدريس بأني أكتب نثراً كالشعر فإن في الأمر واعجباه .. وأن يسقط بالضحك من كرسيه الأستاذ علي المك .. بسبب مقال ساخر من مقالاتي فإن في الأمر عجب أمه ..!!
لقد كان هذا هو حظي من الود والإطراء والإعجاب .. ولولا إنني جئت الى ساحة الكتابة الصحفية وأنا في سن النبوة والرشد لركبني الغرور .. وتصورت بأني قد خرقت الأرض وبلغت الجبال طولاً .. وحسبت أني قد دخلت في زمرة الكتاب الصحفيين .. ولكن الله سلم .. وقد فهمت (بحكمة) الكهول .. معني الرسالة التي فحواها ومضمونها العميق .. شد حيلك ..اجتهد أكثر تزود بمجاديف المعلومات لأن الكتابة الصحفية بحر محيط بلا ساحل !! إن أمثال هؤلاء العلماء الأساتذة يتحدثون ( بالسي سي ) وكلامهم موزون بميزان الذهب ..وتعابيرهم منتقاة وطيبة لأن الكلمة الطيبة في نظرهم هي (بخور الباطن) .. وهم كأباء ومعلمين ومربيين .. قادرون على تبليغ الرسالة دائماً لتلاميذهم غير ان تلاميذ هذا الزمن العجيب .. لا يفهمون إلا (بالوجير). كما كان يقول ناظرنا في المرحلة الابتدائية .. أي بالكرباج !!
فما لي ( وأنا ماشي كبير ) وما لكم أيها الأخوة الأجلاء وقد عركتكم التجارب وأصبحتم على أعتاب قمة العمل الصحفي في بلادنا .. ما لكم لا تبخرون باطن الأقلام الشابة الجديدة وتعينوها على المشي في السكة حتى لا يحز التجاهل والتهميش في نفسها فتترنح .. وتسقط (بالمغسة)!!

البــانقــو الســودانــي
نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه أن جعل كوتتنا من البلاء ونصيبنا من الوباء قاصراً على صنف السيجارة الخدرة بنت البنقو السوداني ... التى لا تكلفنا دولار أمريكاني ولا ين ياباني ... إلا فى نطاق ضيق جداً ... هو استيراد ورقة البرنسيسة لزوم البرم ... وحسب علمي المحدود فى تجارة الحدود ...إن ذلك يتم تحت ستار أدوات مسح النظارات الطبية!! ... أمال أكمام الجلابية ده علموها عشان أيه؟ ولو ما عاوزين نمسح بالأكمام ... يبقي ما فى داعي ليها ونلبس جلاليب كت ونوفركم مليون متر تترون بقدر أنصار البلدي فى السودان ... مع إعفاء أستاذ الغناء الشعبي (كمال ترباس) من ذلك ... مراعاة لمظهره الخاص وتطبيق إجراءات الكت ... اكمام ... ورقبة ... على أي ترباس آخر فوتو كوبي ... ثم نعود لموضوعنا الأصلي .. خدرة بنت بنقو التى ظلت تتحرفن وتتلون وتتقلبن وتتمسكن حتي تمكنت من التغلب على الظروف المناخية والبيئية المحيطة بها والانتشار فى سهول السودان وغاباته ووديانه .. كما السرطان والانتصار علينا فى الشوط الأول من القرن العشرين واحد صفر بسبب القانون وضعف التحكيم وتحيزه ونحن الآن فى السنوات الأخيرة من عمر الشوط الثاني والنتيجة التعادل واحد ...واحد...وفريقنا ضاغط والهواء معانا... وسنحقق النصر بإذن الله ...
لقد استغلت خدره بنت بنقو ... طيبة أهلنا وجهلهم بخطرها ... وسمعتها السيئة ... وتعاطف القانون ووقوفه إلى جانبها غير بعيد فانتشرت وملأت الأرض حتى حققت لنا الأكتفاء الذاتي ... بل وكادت أن تجعل من السودان ... سلة أو خانة وباء العالم ... وتصل بنا دور السطاشر زي كولمبيا ولاعبيها منكوشي الرؤوس ... كطلع الشياطين ... وقونها الملحوس ...
ولما كانت خضراء الدمن هي المرأة الحسناء فى المنبت السوء ... فإن خدره بنت بنقو ... هي الشجرة الخبيثة فى المنبت الطيب لأنها تنمو فى أراضي السودان الطاهرة ... وأخصب المواقع منها ... ولا أدري بالزبط ...لماذا سميت خدره ... وأخشي أن يكون المقصود لونها ... وتبقي حكاية خداري البي حالي ما هو داري ... وخداري ما بخلي ... والأخدر اللونه زرعي ... والخدار نازل نشتريه ... وهلمخدرا ... كلام تحتو كلام ... ولكني أميل إلى أن اسم خدره مشتق من الخدر العجيب الذي تحدثه فى أجساد العباد الذين يقعون فى براثن حبها ... ومن الحب ما قتل ... وإذا ما اعتبرنا خدره كلمة مفرده ... فإن جمعها خدرات ... وتبقي الحكاية ناقصة ميم بس لتصبح مخدرات وبذا فإن رأيي فى تسميتها هو الأصوب ... ودليل صدقي باشا على ما أقول هو أن الزوجة ... لما طفح بها الكيل ... واحتارت فى أمر زوجها ... الذي بنفث دخاخينه ليل نهار ... باستمخاخ عجيب ... ولا يؤدي أي عمل ... فهو تارة منقباً يبل أصبعه من فمه وينقش به البذور من الوزنة نقشاً ... أو نافخاً سيجارة البرنجي ليفرتقها مع الإبقاء علي الفلتر...وإعادة تعبئتها من دخانته الخاصة ... وتارات كثيرة ... بارما أو منكباً على وجهه ... يقدح الزناد ويعفر الجو ... فجاءت تدب من خلفه ... اختطفت السيجارة من بين يديه وهي تردد ... حلفت واتيمنت ... إلا أجرب الخدره المجنناك دي وأشوف فيها شنو ؟؟ وأخذت تجبد وتخرج الدخان من مناخيرها ... بس عادم جاز ... ومن النفس الأول ... تراخت اعصابها وجلست على الأرض ... ومع النفس الثاني ... قلبت عيونها زي الديك الشاف الحدية وعند الجبدة التالتة ... فندقت خشمها وقهت مع خيوط الدخان ... وأطلت من عيونها ابتسامة غبية وسرحت تتامل عرض الراكوبة ومناسج العنكبوت فيها ... وتهتز طرباً ... مع نشرة الأخبار إذ اختلط عليها عبد الكريم قباني مع عبد الكريم الكابلي ... فسعد زوجها بهذا التكامل الأسري وقال فى سره ... شبهينا واتلاقينا ... واقتحم عالمها الغريب ... وهمس فى أذنها ... شديده يا حاجة؟ ( قاصداً السيجارة) ... فمالت نحوه فى غنج ودلال وقالت ... شديدة ... الله يسلمك!! وهنا فرَّ هذا الجو الرومانسي على أثر طرقات قوية بقعر الدبشق على باب الزنك وصاحت الزوجة مذعورة ووب علينا راجلي جا ... وصعق الزوج من قولها وتشبث بالحائط محاولاً الهروب من نفسه ... ولكن يداً قوية فولاذية كانت تمسك برجله وتسحبه إلى جوار زوجته ... وتضع أمامهما المعروضات ... بنقو فلت وقناديل ... ودفاتر برنسيس ... وسبارس بالكوم ... وباكو برنجي ... صفيحة طحنية ... وكذا خرطوش بخور ند ... لزوم تضليل الأنوف ....
وتحدث صاحب اليد الفولاذية ... وقال ... مباحث مركزية ... جاتكم بخاتم المني دايرنها تأبيدة ... ولا إعدام ؟؟؟ فنطط الزوج المسطول عينيه مذعوراً وقال ... يا سعادتو صلي على النبي ... يا أخي نحن فينا حيل إعدام ... نحن ناس مصحة بس ... ودونا المصحة!!

الحيــرة الكبــرى
أيهما ... يزحف على الآخر .. هل يزحف الموت نحو الحياة .. أم الحياة تزحف على الموت؟؟ هل الموت هو خاتمة الحياة ؟ أم أن الحياة هي التي تنتصر في النهاية باعتبار أن هناك بعثاً ونشوراً وحياة خالدين فيها أبداً ؟!
إنه السؤال الصعب وإنها الحيرة الكبرى .. التي تُعجز العقول وكمبيوترات هذا الزمان .. ولا أحد يدري شيئاً فإرادة الله تأتي الأرض تنقصها من أطرافها .. ويعتري الناس نقص في الأرواح والأنفس والأموال ... ثم أن الأرض بأهلها تسعى لتبلغ زينتها حتى يظنوا أنهم قادرون عليها ... حاجة تحير صحيح يا جدعان !! فأهل الأرض من بشر وحيوان ومخلوقات أخرى تتناسل وتتكاثر ... وتتوالد ... وتتضاعف أعدادها حتى أصبحت بعض الدول كالصين والهند... (مشحونة) كعلب الكبريت فيخيل إلى أن الناس فيها ينامون (قيام واقفاً) ... بل وأصبحت العديد من دول اليابسة في آسيا وأمريكا الجنوبية تقوم ليلاً بقفل الشوارع الرئيسية في وجه حركة المرور لتصبح ملاذاً للأسر الهائمة على وجهها لتنام مفترشة الأسفلت ملتحفة السماء ذات الحبك !!...
فلماذا يتكاثر الناس .. والموت يحصد الأرواح بالجملة مستعيناً على مهمته بالأمريكان واليهود ... والصرب و التوتسي ... ومستعملاً أدواته من الزلازل و الجفاف والتصحر .. وشتى الكوارث الطبيعية وشاهراً أسلحته الفتاكة كالإيدز والملاريا والسل والجوع؟؟! لماذا يتكاثر الناس .. ونشرة ثمانية لا تفتأ تنعى لنا الأصدقاء والأعزاء والأقرباء ونشرة العاشرة تقرأ كشف المنقولين إلى الدار الآخرة يومياً وبانتظام ؟ ولماذا تكاثرنا نحن بالذات في السودان وتجاوز عددنا الثلاثين مليوناً ؟ السبب شنو يعني ؟!!

فيلــم التنقــــلات
أبان عملي بالشرطة كانت أخصب سنوات عمري ... هي العشرة الأخيرة منها ... حيث طافت بي كشوفات التنقلات على عشر مواقع بالتمام والكمال ... وكان لكل موقع نكهته وطعمه الخاص ... الذي رشفت منه رشف النحل ... حتى امتلأت خلايا العقل والمخ مني بالشهد ... وما كنت لأرشف لولا ان وشوشني العبير فانتشيت ... وساقني الهوى فما أبيت ولاقتناعي بجدوى التنقل واتفاقه مع (فلسفتي) الخاصة في الحياة ... والتي تتلخص في ان العمر واحد ... وراكب حصان ... وربما ميج هذه الأيام ... يمضي ولا يتوقف ولا يعود أبداً ولا يتكرر ... ولا يتناسخ ... ومن الظلم وأده كبنات الجاهلية ودفنه بالحياة في شبر منها... والقلب يمل ويصدأ ... ويرترت زي الكربريتر ... ويبوظ او يموت ... ولا منقذ له من كل ذلك الا التجديد والتغيير ... والنظافة المستمرة ... فالرسام الشهير الذي رمى به سلطان جائر في جزيرة صغيرة 4 × 4 ... ملقاة كفردة الحذاء في عرض المحيط ... ومن ظرفه تفضل عليه بما يُقيم الأود وشوية ألوان وفرش لزوم الرسم وظل هذا الرسام على مدى سنوات طوال في منفاه بعيداً عن صخب الحياة وإشكالها ... يصاقر منظراً طبيعياً واحداً ... يتشكل من الأرض والبحر والسماء وشجرة وحيدة حزينة يرسمها صباحاً ومساء وقيل ثلاث مرات يومياً قبل الأكل ... حتى يسقط من الإعياء في أحضان الأحلام ... ثم يفيق على طنين باعوضة ويواصل المشوار والتكرار الممل ... ولما جاء الناس ليأخذوه من عزلته وجدوه ساهماً غائباً سارحاً مع آخر لوحاته التي تعبر عن نفس المنظر ... وكانت لوحة تشبه خطوط الأطفال بالزبط ... من ثلاث خطوات مترادفة زي شلوخ الشايقية ... خط بني والثاني أزرق والثالث أزرق فاتح بدون بايظ ... تقف أمامها دائرة خضراء لها ساق النعام ... فقد ظل المنظر الطبيعي بتكراره الممل يتناقص ويتناقص في نفس الرسام كما تتناقص الصابونة لتصبح بروة... وكذلك جاءت اللوحة كما ذكرنا ... وبما ان الرجل كان فنانا ً في الأصل فقد حظيت خطوطه بالدراسة واعتبرت ميلاداً لفن الرسم التجريدي ... أما اي زول زي حالتنا كده لو ما غير هواء باستمرار وأصابه الملل فسيبدأ بتجريد نفسه ويبقى إنسان مجرد ساكت !!
لقد كانت إدارة المباحث الجنائية المركزية هي الموقع العاشر الذي بذلت فيه أقصى طاقتي الكلامية ... فشذبتها وخلصتها من الأفرع اليابسة وهززتها حتى سقط معظم الصفق المصفر ولونت بفرشاتي جزءاً غير يسير من حديقتها الغناء بل ونقلت شتولاًَ منها (بالتصفيح) الى جهات أخرى !! طبعاً الكلام ده ... حسب تصوري أنا ... لأنه لم يقابلني حتى الآن من يعترف بانه تولى شأناً من الشئون او مرفقاً من المرافق ... وكسره وحطمه ومسح به البلاط وحوله من مرفق الى كوع !! غايتو وقبل ان ينتابني الملل او يبدأ التناقص والعد التنازلي في خاطري جاء الفرج وصدر كشفاً بتعديل المواقع بين القيادات متيحاً لي الجولة الحادية عشر في موقع هو بمثابة القلب الذي يضخ الدم في جسد الشرطة وهو بمثابة الجهاز العصبي الذي يتخللها ويعينها على الإحساس والشعور والانفعال !!
ولعلي بهذا لا احتاج لتسمية الموقع الجديد ... بل لعلي بهذا أجيب على كثير من التحليلات التي تطوع بها نفر لا علاقة لهم بالشرطة ... مصنفين المواقع كمان ... ده خطير... ده موقع قرار ... وده هامشي ... وده مش عارف أيه ... وكلام كتير لم أخرج منه الا بفائدة واحدة ... إن التنقلات تشكل في حياة الكثيرين من اهل الوظائف بعبعاً مخيفاً ... لأسباب شتى... هي من نسج خيالهم وأوهامهم ... وقد قدر لي يوماً وأنا في مدينة دنقلا ... أن أكون من ضمن مستقبلي أحد الموظفين المنقولين لنا ... فنزل من الطائرة ... وهو بادي الاضطراب وكأنه نزل في تل أبيب ... يقدم خطوة ويؤخر أخرى ... ويتهيب الإقدام ومصافحة مستقبلية ... واقتربت منه وهدأت من روعه ... وأخذت في الطريق أحدثه عن متعة العمل في الأقاليم ... ومزاياه ... حتى تحدث وقال ... يا أخوي أنا عمرى من الخرطوم بحري... ما مشيت أمدرمان ... يقوموا ينقولني دنقلا طوالي ... ما معقول أبداً ... وعاش الرجل معنا وأصبح الما معقول عنده معقولاً ... وظل حتى كتابة هذه السطور داقش الخلا طوالي ... ويرفض مجرد النقاش في العودة لكرش الفيل !!
فالسودان بلد عامر بالخير ... والأدب والفن والثقافة والتاريخ ... بل هو جامعة مفتوحة تغني عن كل جامعة يمكننا ان ننهل منها ... بس على الطبيعة ومن مصادرها الأم ... ولو كنت المسئول لجعلت فرصة الترقي للوظائف القيادية مشروطة بالعمل في أركان السودان الأربع لفترات زمنية لا تقل عن العام ... وأن يكتب الموظف تقريراً خاصاً بها يحفظ في ملفه السري تأكيداً للتنفيذ وتفادياً للنقل على الورق ... الذي طاف بموجبه الكثيرون كل أنحاء السودان... كمن يحلمون وهم قابعون تحت المكيفات ... يتحدثون لغةً خاصة بهم ... وإن تحدثت عن الكول أو الجكوسادة ... حسبوك تتحدث الألمانية ... يجهلون الكثير عن وطنهم والحكمة لا يرغبون في معرفة شيء عنه ... وواحد من هذا النوع ... المحسوب على الوطن... كان يسأل رجلاً طيباً في شأن من الشئون ... وقال له ... الجنس والبلد من فضلك... فقال الرجل سوداني... من السودان ... فقال السيد المحترم ... لا ... لا ... أنا بقصد المربوع بتاكم ... والفاميليا ... وفهم الرجل الذكي بالفطرة وعرف أن زوله مسطح ساكت ... وقال يا سيادتك أنا من ناس عد الغنم ومن قبيلة بنى هلبة ... وهنا انتصب جنا المكيفات واقفاً... وهاج في وجه الرجل الطيب ... أنا أعد الغنم أنا شبه الغنم ... ما تعدهم أنت ده ... أما مسخرة والله ... وبعدين بني هلبه دي كمان شنو ؟ نحن في الجاهلية ولا ايه ؟؟ يلا ... يلا أطلع بره !!
أمثال هؤلاء يجب حصرهم في كل موقع ونقلهم تأسفياً يعني ينقل فوراً وينفذ أكثر فوراناً وكلما تقدم بطلب لإلغاء نقله ... ختم عليه بالختم التاسفي ... نأسف نفذ فوراً ولاّ قول لي رافد !!
إن التنقلات في أي بلد ... لا تستحق مقالاً ... ناهيك عن مقالين ... أما في السودان بلد الأمان ... فهي تصلح مادة لكتاب ... لأن هذا الوطن الممتد في قلب أفريقيا كالمارد المنهك ... لكثرة ما جاس في جسده من ثالوث المرض والجهل والفقر ... قد ظل في انتظار عياله وهمو كثر ... الذين تسلحوا بالعلم والخبرة ... لينتشروا في أرجائه حرباً على الثالوث الخطير ... بس يا خسارة ... خيبوا ظنه ... وكنكشوا في صرته ... عاصمة الصمود والنقود ... لا يطيقون عنها بعاداً ... وعاوزين إحضار الثالوث مقبوضاً عليه ... ليسحقوه تحت أزير المكيفات ... بالكيمائي المزدوج !! والله لو ده رايهم ... فليختونا كدا ولا كدا ... وسيأتي الله برجال يحبهم ويحبون هذا الوطن وينتصروا له ... ويومها لن يعبرهم أحد او يسمح لهم بالرقص على إيقاعات النصر ... أصلها يا ولد ...إيقاعات جابودي ومردوم وصقرية وكمبلا وحاجات من ده ... مش تانقو ... وحالم ... ويتكسر كمان !!
لست سادياً ولكن قناعتي بضرورة السعي في مناكب الوطن والعمل في كل أرجائه والارتواء من عيونه والاستغراق في أحضانه ... جعلتني اتسلى وأسعد كالأطفال ... بين جوانحي وأنا أراقب بالكاميرا الخفية انفعالات الذين يجن جنونهم وتمسكهم ... أم هلاَّ هلاَّ ... إذ ما لاحت في الأفق ارهاصات كشف للتنقلات ... يقومون... ويقعون ويهرولون من مكتب لآخر ... زي قطر المناورة ويبحثون في مذكراتهم عن تلفونات وعناوين احتفظوا بها لليوم الأسود ...ويمكن لاصحابها التأثير على قرارات النقل ... ويضربون بلا توقف ... فتسمع لهم مكالمات من طرف واحد طبعاً ... ولكن كلها ظريفة جداً
هلو أكلم عبده والله ! شالوه ... متين الكلام ده ... قبال سنتين ؟ قول يا لطيف ... شكراً يا أخي ...
هلو أكلم ترزينا والله ؟ عرسوها وسافرت كندا مع راجلها ... كان الله في عونو ... شكراً يا أخت ...
هلو أكلم بريدان والله ... يا أخي ... ما معقول ... ما بصدق ... يا زول ... غايتو شقي الحال بقع في القيد ... شكرأ أخوي ...
وسيل من المكالمات التلفونية في كل اتجاه وجهجه لا مبرر لها ... تثير الضحك والغيظ والرثاء ... ولا تفيد فالجاية جاية وكل شيء مقدر ومكتوب ... أما الذين ينقلون الناس أنفسهم فمنهم من يتق الله في وطنه وفي مرؤوسيه فلا يضر الوطن والمصلحة العامة ... بالشفقة البالغة على مروؤسيه فيدفعهم للتسيب ... ولا يقسو عليهم ويقليهم قلياً بسوط المصلحة العامة فيحملهم على الخوف والهرب ... كذلك منهم ... من يتخذ كشف التنقلات وسيلة للردع والعقاب و (زقل) أعداء سياسته في اقصى الأقاصي ... حتى يعرفوا ... الله واحد ... ولو تبنى كل الرؤساء هذه النظرية ... إذن لاجتمع كل اراذل الخدمة والمغضوب عليهم والضالين في مواقع بعينها من السودان ... وهي المواقع التي نعلم حاجتها للكفاءات الوطنية الخلاقة ولا تحتاج هماً على همها !!
وقد صاقر أحد الرؤساء واحداً من مرؤوسيه وظل يختاره دون غيره لأماكن نقاوة ... حتى طفح به الكيل ... ولما أمره بالتحرك الى موقع تردت فيه الظروف الأمنية ... بالدرجة التي يصعب معها التكهن بعودته سالماً رفض وعصلج واحتج ولكن الرئيس أصر وألح وخيره بين التنفيذ او التفنيش فأطرق المرؤوس ساعة من الزمن ثم رفع رأسه للرئيس وقال ... غايتو أنا ماشي ... لو جيتك حي ... تودي وشك وين ؟
وذات يوم نقل أحد الزملاء من نمولي الى حلفا القديمة ... فحاولت أن أطيب خاطره وقدمت له سيجارة فردها ضاحكاً وقال ... يا أخوي أنا لو بدخن ... أصل حلفا كيف ...؟!
ومن نوادر التنقلات اللطيفة ان مدرساً في بقعة نائية من الوطن جاءته برقية عاجلة بتنفيذ النقل فوراً الى أمريكا ... فنطط من الفرح ... وجاء الى الخرطوم جاهزاً وبيده كل الأوراق الثبوتية وذهب للوزارة لاستلام التذاكر وإكمال الإجراءات ... فضحك الوكيل حتى استلقى على قفاه وبرزت نواجزه كما لم تبرز من قبل ... ثم اعتدل في جلسته ووضع النظارة على أرنبة أنفه ومال على المدرس المسكين وقال ... تذاكر شنو يا أخوي ؟؟ أنت نقلوك أم ريكا ... مش أمريكا !!
وهي كطرفة المعلم المصري الذي جاء نيالا بدارفور معاراً ... وأسرع بالإطلاع على كشف التنقلات الداخلي ... وكانت الطباعة باهتة ورديئة ... ولما رأى موقعه بهت وتجهم واقتحم مكتب المسئول التربوي وقال ... شف يا عم أنا موش حامشي الضبعين ... ليه هو ضبع واحد موش كفاية ؟! فقال المسئول التربوي ... بلاش يا سيدي الضعين ... نوديك تورطعان ... لو ما داير ... نوديك أضان الحمار !!
فاستشاظ المصري وقال .. تور مين ؟ وحمار مين يا عم ؟ رجعوني بلدي انا عاوز بلدي والسلام ولا يفوتني في الختام أن أهدي الفيلم لأهلي في الفردوس .. أضان الحمار .. سابقاً ولابنها الصديق عيسى جبريل أبو ناقة !!

!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجزء الاول من كتاب الضحك المسيل للدموع - للواء محي الدين محمد محمد علي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أهل أرقو :: ملتقى الأهل والأحباب :: أهل أرقو القصص والروايات-
انتقل الى: